الشوكاني
306
نيل الأوطار
الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك في السفر واحتجوا أيضا بما أخرجه مسلم عن جابر : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم وصام الناس ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس ثم شرب ، فقيل له بعد ذلك : إن بعض الناس قد صام فقال : أولئك العصاة . وفي رواية له : أن الناس قد شق عليهم الصيام ، وإنما ينظرون فيما فعلت ، فدعا بقدح من ماء بعد العصر الحديث ، وسيأتي . وأجاب عنه الجمهور بأنه إنما نسبهم إلى العصيان لأنه عزم عليهم فخالفوا . واحتجوا أيضا بما في حديث جابر المذكور في الباب من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ليس من البر الصوم في السفر وأجاب عنه الجمهور بأنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما قال ذلك في حق من شق عليه الصوم كما سبق بيانه ، ولا شك أن الافطار مع المشقة الزائدة أفضل وفيه نظر ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ولكن قيل : إن السياق والقرائن تدل على التخصيص . قال ابن دقيق العيد : وينبغي أن يتنبه للفرق بين دلالة السبب والسياق والقرائن على تخصيص العام وعلى مراد المتكلم ، وبين مجرد ورود العام على سبب ، فإن بين المقامين فرقا واضحا ، ومن أجراهما مجرى واحد لم يصب ، فإن مجرد ورود العام على سبب لا يقتضي التخصيص به كنزول آية السرقة في قصة رداء صفوان . وأما السياق والقرائن الدالة على مراد المتكلم فهي المرشدة إلى بيان المجملات كما في حديث الباب ، وأيضا نفي البر لا يستلزم عدم صحة الصوم ، وقد قال الشافعي : يحتمل أن يكون المراد ليس من البر المفروض الذي من خالفه أثم . وقال الطحاوي : المراد بالبر هنا البر الكامل الذي هو أعلى المراتب ، وليس المراد به إخراج الصوم في السفر عن أن يكون برا ، لأن الافطار قد يكون أبر من الصوم إذا كان للتقوى على لقاء العدو ، وقال الشافعي : نفي البر المذكور في الحديث محمول على من أبى قبول الرخصة . وقد روى الحديث النسائي بلفظ : ليس من البر أن تصوموا في السفر وعليكم برخصة الله التي رخص لكم فاقبلوا . قال ابن القطان : إسنادها حسن متصل يعني الزيادة ، ورواها الشافعي ، ورجح ابن خزيمة الأول ، واحتجوا أيضا بما أخرجه ابن ماجة عن عبد الرحمن بن عوف مرفوعا : الصائم في السفر كالمفطر في الحضر ويجاب عنه بأن في إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف ، ورواه الأثرم من طريق أبي سلمة عن أبيه مرفوعا ، قال الحافظ : والمحفوظ عن أبي سلمة عن أبيه موقوفا ، كذا أخرجه النسائي وابن المنذر ، ورجح وقفه ابن أبي حاتم والبيهقي